منتدى تربوي يعنى بالأدب عموما والأدب العربي خصوصا ،يرعى المواهب الشابّةويهتم بالجانب الإرشادي التربوي
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

  من حكايا زمن المطر ( المزار وأحمدتفاحة وأنا)

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
جمال الطرابلسي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 227
تاريخ التسجيل : 10/11/2010

مُساهمةموضوع: من حكايا زمن المطر ( المزار وأحمدتفاحة وأنا)   الجمعة نوفمبر 12, 2010 11:03 pm


المزار وأحمد تفاحة و أنا
كان الزمن في شهر كانون الثاني وفي كانون (يكنّ) الناس في بيوتهم وقريتي صغيرة وادعة تلبد على كتف جبل حراجي تتعايش مع الفقر والمطر .....يستمر هطول المطر أسابيع طويلة يزحف البرد ورطوبة السماءعلى كل شيء،....فالجدران الطينية تنزّ ماء والسقوف المكونة من أغصان الأشجار وفوقها الطين ...تدلف (نسميه الوكف )ماء ملونا كشراب التوت الشامي فقد اصطبغت هذه الأغصان بدخان الموقد المتربع وسط البيت كانوا يسمونه( التفية ) وهي لهجة في كلمة الدفيئة ، و كان الرجال يتحلقون حول التفية ويروق لهم أن يسمعوا القصص وحكايا الضبعة التي تظهر هنا وهناك وتهاجم بعض حيوانات أهل القرية ولكثرة ماكانوا يتحدثون عنها كانو يفضلون استخدام كنيتها (أم عامر )، ثم يتحدثون عن الأفاعي وغريب ماكان منها ولا تكتمل سهرتهم إلا بذكر الجن وما كان منها ومن ظهرت له ومن خاوته ومن لبسته .....لكن الأحاديث تأخذ شكلا دراميا غريبا عندما يبدأ الحديث عن الأولياء والصالحين وكرامات المزار المبارك الذي يحرس القرية من كل مكروه ويعاقب اللصوص ويذبح كل من يحلف به أو بجواره يمينا كاذبا حتى أن أهل القرية والقرى المجاورة كانوا يسمونه الدبـّاح لكثرة ما دبح من الكاذبين وكنت أضحك كثيرا عندما يتحدثون عن بعض ما فعله برجال القرية الذين تجرّأ بعضهم والتقط بعض أغصان الأشجار المتهالكة بجواره ، فقد كان (يفلح عليهم طوال الليل يستبدل الرجال بالبغال ويشد عليهم الصمد وهو المحراث القديم ثم يفلح جوبة الصوان كلها )، بعض الرجال يقسم أنه شاهد الجوبة مفلوحة وأن فلاناً قد تهرّأت أكتافه من كدّانة الصمد ،،ولعل هذا يفسر وجود غابة كثيفة حولا المزار لا يلتقط أحد شيئا من أغصانها.
وكان السراج التنكي هو وسيلة الإنارة وقليلة هي البيوت التي يملك أصحابها قنديلا (فانوس) ولم نكن من أولئك المحظوظين.
كان بيتنا أقرب بيوت أهل القرية من الدباح والمسافة لاتتعدى شربة سيكاره كما يقولون وكان بعض الصبية من رفاقي يحسدونني لهذا القرب مع أن بيتنا كان أفقر البيوت وكان هذا الحسد يريحني ويعوضني ، وبعضهم كان يعزو نجاحي في الصف التاسع لقرب بيتنا من المزار لكن هذا القرب لم يكن يشفع لي عند أحمد تفاحة المعروف بأبي قدحة صاحب الدكان الصارم الوجه الذي كنت أستدين منه سكائر التبغ المفلترة ماركة الفرات وهي من أردأ أنواع الدخان السوري آنذاك فقد قال لي مرة ( شوف كلها كام يوم وتبدأ عطلة نص السني وما بقا نشوفك (بخمسطعش )يوم وأنا ململم ديناتي وصارلي عليك حق سبع بواكي دخان يعني ورقتين ونص أنت و هالشاطوحة ابن منصور يابتجيبن بكرا يا بشتكي عليكن للمدير خليه يلسعكن بقضيب الرمان ويرقصكن متل السعيدين"
كان أحمد تفاحة جادا وكان المدير جادا هو الآخر في معاقبة المدخنين إن ظفر بهم كنا نختفي بين أشجار السنديان الحراجية المجاورة للمدرسة المتواضعة والتي لم يكن لها أسوار.
في طريق العودة من المدرسة التي تبعد كيلو مترات كنت أترافق مع صديقي وشريكي في التدخين ابن منصور والشاطوحة لقب أطلق عليه لطوله المفرط قال لي :لا تشيل هم بكرا بجبلو ديك يسوى ورقتين وانت دبر الباقي كان شيئا آخر يشغل ذهني وطريقة أخرى أفكر بها من أين أدبر الباقي سألت نفسي نصف ليره لايمكنك تدبيرها ثم تدخن الفرات أبو الفلتر لماذا لاتدخن الحموي الفلت أو الناعورة صحيح بلا فلتر بس رخيصة لماذا تدخن أصلا أسئلة كثيرة طرحتها على نفسي طوال الطريق
في اليوم التالي انتظرني أبو قدحة عند باب المدرسة وقال لي بصوت أجش شو صار معك ولاك ...؟؟ رفيقك الشاطوحة جبلي ديك هلقد بيسوى ليرة ونص انت شو؟؟
- أنا مش (ماأ حضرت شيئا)
- والله عيرفك مش (أنت لاتساوي شيئا) ، ليك ولاك أسود الجلد بكرى آخر يوم معك بتجيب ديك جيج قد ديك الشاطوحة يا بتجيب ليرة الله جمع ووفق بيناتكن ...زغبور ومنصور ، لم أتجرأ على مناقشته أو إجابته و تسحبت من بين أكتاف الطلاب منزلقا داخل المدرسة محاولا إخفاء وجهي عن الطالبات وقد بدا لي وجهي أكثر سوادا من الليل وتصنّعت ضحكة لأخفي رنين ضحكة صدرت من أحد الطلاب الذين تجرؤوا على الضحك لم أعرف مصدرها ،
في طريق العودة إلى البيت كان حديث أبو قدحة مادة للتندر وجدت نفسي أضحك بعمق مع المتندرين من الطلاب وخاصة عندما كان أحدهم يخشن صوتة: ليك ولاك أسود الجلد ......
عندما بدأ الليل الكانوني يهبط ويلف الظلام كل شيئ هجع الناس في بيوتهم وبدأت أحاديث أم عامر والجن ،، خرجت متسللا في هذه الظلمة العميقة ، والطريق الحراجية الجبلية تستعصي على الماعز في وضح النهار وضعت قدميّ على أول الطريق الصاعدة نحو المزار ورحت أتسلق الجبل بخطوات وجلة حذرة لم تكن خشيتي من أول الطريق فهذه أحفظها عن ظهر قلب ولكن خوفي بدأ يتصاعد كلما اقتربت من الغابة التي تحيط بالمزار كل شيء حولي كان خائفا ........المطر..... الشجر ......الريح عواء الذئاب كلها كانت تتناغم مع ضربات قلبي ،،استغرق مني الطريق نصف حياتي حسبت أني ولدت هنا في هذا العراء اللا متناهي تسمرت يدي على باب المزار الخشبي وسمعت ضربات طبل نعم صوت طبل آتية من بعيد اكتشفت بعد ثوان أنها دقات قلبي الهلع ،
ماذا تفعل يا أسود الوجه تريد أن تسرق الدباح سيذبحك من الوريد الى الوريد وسوف يرمي أهلك جثتك ويتبرّؤون منك
كان صوت المزراب الحجري فوق المقام أشبه بصوت بكاءأمي ،......هه أمك.... لن تبكي عليك وإذا بكت فسوف تبكي بصوت مكتوم ....لا يشبه شيئا وماذا لو اكتفى أن يفلح الجوبة عليّ فأكون بغله أنا والشاطوحة ، وماعلاقة الشاطوحة لقد سرق الديك من عند أمّه أو من بيت ام عبدالله الأرملة
، وحيدا ستكون تحت رحمة سياط الدباح وكدّانته ردّة واحدة (خط حراثة واحد) ستنهار بعدها ،
ليكن ما يكون المهم مايطلع لي أحمد تفاحة قدام البنات ويعيرني بلوني الأسمر .
لم أعد أشعر بجسدي مسحت بيدي فوق شعري المبلل أحسست أنه رماد قد بالت عليه الشياطين ،وفجأة دوى رعد مفاجئ تقصفت معه ركبتاي فدفعت الباب بخوف ثم صفقته خلفي جلست على الأرض منهارا ثم رحت أبحث بكلتا يديّ عن أي شيء فوقعت على سراج من التنك وأكملت البحث حتى عثرت على علبة كبريت رطبة كادت أن تنفذ عيدانها قبل أن أتمكن من إيقاد السراج ف(حمدت الله) أخيرا أنا والدباح وجها لوجه ..
بدأ الخوف يخرج من صدري ......شعرت .....بالانتصار بمجرد فتح الباب....... لأن الحكايا كانت تقول أنه يذبح السارقين الذين يأتون ليحلفوا قبل وصولهم وأنّ الهلال الحديدي المغروس في أعلى القبة يتقد كالجمر ....فتحت الباب خرجت ونظرت الى الأعلى حيث الهلال فلم أر شيئا متقدا حتى النجوم لا أثر لها حملت السراج ورحت أبحث عن صندوق سمعت أنه موجود توضع فيه تبرعات لخادم المزار فلم أعثر على شيء لا صندوق ولا هم يحزنون كانت رائحة العفونة والرطوبة تسد أنفي وتكاد تصيبني بالغثيان وكانت الخيبة تشعرني بالانكسار والهزيمة أمام حجارة هذا المكان ، ....
.في وسط القبة التي تفوح بالعفونة والأساطير والخوف يتمدد ضريح مكسو بأقمشة ملونة تعبق هي الأخرى برائحة العطونة ، وبجانبه مصطبة وطيئة عليها وعاءان من القش (جميمة) في إحداها صور كثيرة ضاعت معالم بعضها لرجال بعضهم أحياء ومنهم المسافر والمقاتل وضعها أهلوهم في هذا المكان أمانة في عنق المزار كي يرجعهم أويحميهم أويرزقهم ، وفي جميمة ثانية بعض البخور الرطب وضعت بعض حباته في فمي أحسست بطعمها المرّ اللذيذ وقرّبت من السراج قطعة كبيرة لأشم رائحة البخور التي أحبها ونهضت إلى الضريح ورحت أدس يدي بخفة في ثنايا الأقمشة( الخلعات) المرصوفة فوق بعضها وفجأة لامست يدي ملمسا عجيبا لورق رطب أخرجت هذا الشيء لقد كان ورقة نقدية قربتها من السراج ، ياإلهي خمس ليرات ، خمس ليرات حقيقية رطبة ووعفنة ولكنها صالحة ، لم يبق إلا أن أغادر حتى أتنفس الصعداء أطفأت السراج ودلفت خارج المكان مسرعا وماهي إلا لحظات حتى صرت في الغابة الموحشة كواحد من وحوشها .
ليلة أخرى لم أنم خلالها تخيلت أحمد تفاحة أمامي متزلفا يقول: المحل محلك يا أبيض الوجه خود اللي بدك ياه والله ما بينرد عنك شئ ،عاقبته كثيرا ، لقد تخيلته جاثيا على ركبتيه يطلب الصفح والغفران،ثمة شيء آخر كان يمنعني من النوم لقد كنت أخشى من المزار أن يستغل نومي فيفلح عليّ جوبة الصوّان
حتى .... الآن لم أنم ................
ليس خوفا ...........بل حبا بالدباح ......وبخوره .....وسلميته ....وكرمه ....أحبك يا دبـــــــّاح


_________________
دِمَشْقُ صَبراً على البَلْوى فَكَمْ صُهِرَتْ سَبائِكُ الذّهَبِ الغالي فما احْتَرَقا


عدل سابقا من قبل حنظلة العربي في الجمعة أكتوبر 07, 2011 4:58 pm عدل 3 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://albaylasan.ba7r.org
شهيد الغرام

avatar

عدد المساهمات : 94
تاريخ التسجيل : 10/11/2010
العمر : 52
الموقع : www.toukalhamamah.com

مُساهمةموضوع: رد: من حكايا زمن المطر ( المزار وأحمدتفاحة وأنا)   الثلاثاء نوفمبر 23, 2010 12:43 am

أصبحت الدنيا كلها أحمد تفاحة يا صديقي
و بقينا نحن رشيد الفاضل و أبا المحاسن
و لكن الحمد لله فنحن أشرف و أطهر من أحمد تفاحة
تقبل مروري
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.toukalhamamah.com
ندى القلوب

avatar

عدد المساهمات : 47
تاريخ التسجيل : 24/11/2010
العمر : 32

مُساهمةموضوع: رد: من حكايا زمن المطر ( المزار وأحمدتفاحة وأنا)   الإثنين نوفمبر 29, 2010 9:29 am




بــــــــــــارك الله فيك ....لا حرمني الله من تواجدك

ويعطيك العافيــــــــة علي هذا الطـــــــرح الجميل

لك تحيتي ومودتي أستاذ حنظلـــــة العربي





الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
من حكايا زمن المطر ( المزار وأحمدتفاحة وأنا)
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
البيـــــــــلســــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــان :: الفئة الأولى :: القصص و الروايات-
انتقل الى: